ماذا لو أصبح “الأحرار” في المعارضة؟

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في الثالث والعشرين من شتنبر 2026، ستفتح صناديق الاقتراع على فصل جديد من فصول السياسة المغربية. حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تصدر المشهد منذ 2021 وقاد الحكومة برئاسة عزيز أخنوش ثم تحت قيادة محمد شوكي، قد يجد نفسه فجأة خارج دائرة السلطة. السؤال ليس مجرد تكهن انتخابي، بل اختبار وجودي لحزب وُلد في حضن السلطة منذ عام 1978، وشارك في ست حكومات رئيسية كشريك أساسي منذ 1998، وترأس واحدة منذ 2021 مع تعديلها عام 2024. هل سيكون في المستوى المطلوب في حالة الإستغناء عنه في إطار عش حكومي لا وجود للحمامة فيه؟ أم أن “ولد الفشوش”، نشأ وفي فمه ملعقة ذهبية، فصار عاجزاً عن التنفس خارج قاعات الوزارة ودهاليز السلطة؟

منذ تأسيسه على يد أحمد عصمان، صهر الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، ارتبط التجمع الوطني للأحرار بصورة الحزب “الإداري” أو “حزب النخبة”. شارك في حكومة التناوب التوافقي مع عبد الرحمن اليوسفي، ثم في حكومتي إدريس جطو وعباس الفاسي، وانضم إلى حكومة عبد الإله بنكيران بعد 2013، واستمر في حكومة سعد الدين العثماني، قبل أن يتصدر ويحكم. هذه المسيرة الطويلة داخل السلطة لم تمنحه فقط خبرة تدبيرية، بل شكلت هويته. الحزب تعلم كيف يفاوض داخل الأغلبية، كيف يدافع عن الحصيلة، وكيف يُدير التوازنات مع القصر والأحزاب الحليفة. لكنه لم يتعلم، أو لم يُضطر إلى تعلم، كيف يكون صوتاً معارضاً حقيقياً يبني شرعيته من الشارع لا من الوزارات.

المعارضة في المغرب ليست مجرد مقعد في البرلمان. إنها قدرة على صياغة خطاب بديل، وتحويل الإحباط الشعبي إلى مشروع سياسي، وتحمل كلفة النقد دون أن ينهار التنظيم. حزب عاش معظم عمره داخل الحكومة يواجه هنا تحديات جوهرية. أولاها غياب الذاكرة المعارضة. حين خرج الحزب إلى المعارضة لفترة قصيرة بعد انتخابات 2011، عاد سريعاً إلى الحكومة عام 2013. لم يبنِ آنذاك جهازاً فكرياً أو تنظيمياً قادراً على الصمود طويلاً خارج السلطة. اليوم، مع وجود قيادات جديدة وتجربة حكومية غنية بالأرقام والإنجازات من الدعم الاجتماعي إلى الحوار الاجتماعي والاستثمار، قد يحاول الحزب تحويل الحصيلة إلى سلاح دفاعي. لكن الدفاع عن ما تحقق وهو في المعارضة أصعب بكثير من الدفاع عنه وهو في الحكم. الخصوم سيذكّرونه بكل ما لم يتحقق : غلاء الأسعار، البطالة، الفوارق المجالية اعتقال ومحاكمة الصحافيين والمدونين و الحقوقيين والاعتداء على شباب جيل Z. و “ولد الفشوش” قد يكتشف أن الملعقة الذهبية لا تحمي من المساءلة الشعبية.

تحدٍ ثانٍ يتعلق بالبنية التنظيمية والنخب. الحزب يعتمد كثيراً على الأعيان ورجال الأعمال والكفاءات التقنية التي تعودت لسنين ان تأخذ لا أن تعطي. هذه النخب تتقن لغة الإنجاز والتدبير، لكنها أقل دراية بلغة الاحتجاج والتعبئة والتجمهر. في المعارضة، تحتاج إلى مناضلين ميدانيين، لهم قدرة على التواصل المباشر مع الطبقات الوسطى والشباب والفلاحين الذين قد يشعرون بالخذلان. إذا لم يُجدد الحزب قاعدته الشعبية الصلبة ويحوّل “مسار الإنجازات” إلى “مسار المساءلة”، فقد يتحول إلى حزب برلماني هادئ، حاضر في النقاشات التقنية، غائب عن الشارع.

أما التحدي الثالث فيكمن في العلاقة مع السلطة والملكية. فحزب التجمع الوطني للأحرار لم يكن يوماً حزباً معادياً للنظام. قربه التاريخي من المؤسسة الملكية كان أحد مصادر قوته. في المعارضة، سيُختبر هذا القرب. هل سيمارس معارضة “مسؤولة” تحافظ على الثوابت وتتجنب التصعيد، أم سينزلق إلى خطاب شعبوي يفقده صورته كحزب دولة؟ فالتجربة المغربية تُظهر أن الأحزاب التي تبتعد كثيراً عن مركز التوازن سرعان ما تُهمَّش، وتلك التي تبقى قريبة جداً تفقد مصداقيتها كمعارضة.

فهل سيختفي ويتلاشى؟ الاحتمال ضعيف في المدى القصير. الحزب يمتلك شبكة منتخبين واسعة، حضوراً جهوياً قوياً، وموارد مالية وتنظيمية لا يستهان بها. لكنه قد يتقلص إلى حزب ثانٍ أو ثالث، يشارك في الحكومات المقبلة كشريك أصغر، أو يبقى في المعارضة دون أن يصبح بديلاً حقيقياً. والنجاح كمعارضة يتطلب أكثر من البقاء : يتطلب إعادة تعريف الهوية. هل هو حزب ليبرالي اجتماعي يدافع عن اقتصاد السوق مع عدالة اجتماعية؟ أم مجرد آلة انتخابية مرتبطة بالسلطة؟

الإجابة ستأتي من الشارع ومن صناديق 2026. إذا خرج “الأحرار” من الحكم، فسيواجهون للمرة الأولى منذ عقود السؤال الذي طالما تجنبوه : هل يمكن لحزب نشأ وفي فمه ملعقة ذهبية أن يتعلم الأكل بأيدي الشعب وهو الذي سبق وأن طالب بإعادة تربيتهم؟ أقول : المعارضة ليست عقاباً، بل امتحان. والامتحان هذه المرة لن يكون في قاعة الوزارة وبين أحضان السلطة، بل في الساحة العامة وبين الأزقة في عملية كر وفر. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!