طنجة : عقار صناعي بلا مصانع والمضاربة تلتهم فرص الشغل وتدفع بالشباب إلى الهجرة

عقار صناعي بلا مصانع
عقار صناعي بلا مصانع

المصطفى الجوي – موطني نيوز

أعادت محاولات الهجرة الجماعية نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين إلى الواجهة سؤالا لا يحتمل مزيدا من التأجيل : كيف تتحول جهة طنجة تطوان الحسيمة إلى واحد من أكبر الأقطاب الصناعية في المملكة، بينما يظل آلاف الشباب عاجزين عن العثور على فرص شغل تحفظ كرامتهم وتفتح أمامهم أبواب الاستقرار؟

المعطيات المتداولة بشأن وضعية العقار الصناعي في طنجة تكشف مفارقة صارخة؛ فقد خصصت الدولة، على مدى سنوات، مساحات عقارية مهمة وبأسعار تفضيلية لإنجاز مشاريع إنتاجية وتشغيل اليد العاملة، غير أن جزءا من هذه الأراضي ظل خارج الدورة الاقتصادية، بعدما تعثرت المشاريع المعلن عنها أو لم تر النور أصلا. وبدل أن تتحول الهكتارات المدعمة من المال العام إلى مصانع ووحدات إنتاج، بقي بعضها مجمدا أو خاضعا لممارسات مرتبطة بالكراء وإعادة التفويت والمضاربة.

وبحسب المعطيات الواردة في تقارير رسمية، تواجه مناطق صناعية في طنجة اختلالات بنيوية، في مقدمتها عدم احترام بعض المستثمرين لدفاتر التحملات والالتزامات التعاقدية، إلى جانب ضعف آليات التدبير والصيانة وبطء الإجراءات الإدارية. والنتيجة ليست مجرد أراض فارغة أو مشاريع متأخرة، بل فرص استثمار ضائعة، ومداخيل لم تدخل خزينة الدولة، ومناصب شغل كان يفترض أن يستفيد منها الشباب.

وتشير الأرقام المتداولة إلى أن نحو 170 ألف متر مربع من العقار الصناعي ظل مجمدا لسنوات، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد الوطني إلى تعبئة كل إمكاناته لتسريع التصنيع واستقطاب استثمارات منتجة ومستدامة. إن بقاء هذه المساحات بلا استغلال فعلي لا يمكن التعامل معه باعتباره تعثرا عاديا، لأن العقار الصناعي المدعم ليس امتيازا مفتوحا ولا أصلا للمضاربة، بل أداة عمومية موجهة حصرا إلى الإنتاج وخلق الثروة والتشغيل.

وتزداد خطورة الوضع بالنظر إلى حجم الاستثمارات العمومية التي استفادت منها طنجة ضمن مشاريع كبرى هدفت إلى جعلها قطبا اقتصاديا وصناعيا متقدما، مستفيدة من ميناء طنجة المتوسط والمناطق الحرة والبنيات اللوجستيكية. غير أن هذه الدينامية لا تحقق غايتها كاملة عندما يحصل مستثمرون على عقارات بشروط تفضيلية ثم لا يحولونها إلى مشاريع منتجة، أو يحتفظون بها في انتظار ارتفاع قيمتها. مثل هذا السلوك، متى ثبت، يناقض فلسفة الدعم العمومي ويفرغ سياسة تشجيع الاستثمار من مضمونها.

وبالتالي السلطات الحكومية المختصة مطالبة اليوم بالانتقال من مرحلة رصد الاختلالات إلى مرحلة الحسم. وجود لجنة لتتبع وضعية الشركات المالكة للقطع غير المستثمرة خطوة ضرورية، لكنه لا يكفي ما لم تصاحبه مراقبة صارمة، وآجال واضحة، وقرارات قابلة للتنفيذ. فمن لم يحترم التزاماته ولم ينجز مشروعه داخل المدة المحددة، ينبغي تطبيق الإجراءات القانونية في حقه واسترجاع العقار وإعادة تفويته، بشفافية، إلى مستثمرين يتوفرون على مشاريع جدية وقدرة فعلية على التنفيذ.

كما يفرض هذا الملف إنجاز إحصاء شامل ودقيق للعقار الصناعي ليس في طنجة وحدها بل في عموم تراب المملكة المغربية، ونشر المعطيات المتعلقة بالقطع الممنوحة ونسب تقدم المشاريع وعدد الوظائف المحدثة، مع اعتماد دفاتر تحملات أكثر صرامة وربط الاستفادة بمؤشرات قابلة للقياس. فلا معنى لمنح الأراضي المدعمة دون مراقبة، ولا جدوى من اتفاقيات استثمار لا تنتهي إلى مصانع قائمة وفرص شغل حقيقية. ولعل ما يقع بمدينة بنسليمان دليل على الفوضى الخلاقة التي تعرفها طنجة، حيث تم تفويت بقع بالمنطقة الصناعية بأثمنة تفضيلية لا تزال نسبة كبيرة منها مجرد أرض عارية أو جدران متهالكة غير مكتملة في البناء. وحتى تلك التي تزاول أنشطتها اليوم لا تحترم دفتر التحملات بسب التواطأ المكشوف للمسؤولين بهذه المدينة.

أما مدينة طنجة فلا تعاني نقصا في المؤهلات ولا في البنيات التحتية، بل تحتاج إلى حكامة تحمي العقار الصناعي من التجميد والمضاربة. وكل متر مربع يبقى خارج الإنتاج هو فرصة ضائعة على الاقتصاد، وكل مشروع معطل يعني أبوابا موصدة في وجه شباب يبحث عن العمل. حماية المال العام تبدأ بوضع حد لمنطق الامتياز غير المشروط، وربط المسؤولية بالمحاسبة وإعادة العقار الصناعي إلى وظيفته الأصلية : الاستثمار والإنتاج والتشغيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!