
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
في دهاليز التاريخ، تتوارى حقائق وتبرز أخرى، وتتجدد التساؤلات حول ما ظنناه يوماً من المسلمات. إنها رحلة في عمق الزمن، لا لنسف الثوابت، بل لتدبر المنطق، ومحاكمة العقل، في قضية لطالما شكلت جوهر فهمنا لديننا الحنيف: قضية الحديث النبوي الشريف. فالمسلمون، على اختلاف مشاربهم، يستندون في فهمهم وتطبيقهم لتعاليم الإسلام إلى أحاديث الرسول الكريم، مستمدين إياها من مراجع باتت تُعدّ أركاناً لا تُمسّ، كصحيح البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم. ولكن، هل توقفنا يوماً لنتأمل الحقائق التاريخية المجردة، بعيداً عن غبار التقديس الذي قد يحجب الرؤية؟
لقد انتقل النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، إلى جوار ربه في العام الحادي عشر من الهجرة النبوية الشريفة. هذا التاريخ، هو نقطة الانطلاق في رحلتنا الاستقصائية. فإذا ما تتبعنا تواريخ ميلاد أئمة الحديث الذين تُنسب إليهم أعظم المجموعات الحديثية، نجد فجوة زمنية مهولة تستدعي الوقوف عندها طويلاً. فالبخاري، الذي يُعدّ كتابه أصح الكتب بعد كتاب الله، لم يولد إلا بعد وفاة النبي بـ 183 عاماً. أما مسلم، صاحب الصحيح الآخر، فقد أبصر النور بعد وفاة النبي بـ 195 عاماً. والنسائي، أحد أصحاب السنن، ولد بعد 204 أعوام من رحيل النبي المصطفى. والترمذي وابن ماجه، وهما من أئمة الحديث الكبار، ولدا بعد 198 عاماً من وفاة النبي. هذه الأرقام ليست مجرد تواريخ جافة، بل هي مؤشرات على حقيقة تاريخية لا يمكن تجاهلها، أن هؤلاء الأئمة الأجلاء لم يعاصروا النبي، ولا حتى الجيل الأول من صحابته الكرام.
الأمر لا يتوقف عند الفجوة الزمنية فحسب، بل يتعداها إلى الجغرافيا. فأهم مراجع الحديث، الذين قامت على أكتافهم صروح علم الحديث، لم يكونوا عرباً بالمولد، ولم يروا النور في أرض الجزيرة العربية، مهد الإسلام ومنبعه. هذه الحقيقة تثير تساؤلاً مشروعاً حول البيئة الثقافية واللغوية التي نشأوا فيها، ومدى قربها أو بعدها عن البيئة الأصلية التي نطق فيها النبي بحديثه. إن الفاصل الزمني بين وفاة النبي وظهور مؤلفي الأحاديث يصل إلى ما يقارب ستة أجيال كاملة. إنها حقبة زمنية مفقودة، غامضة، لا أحد يعلم عنها شيئاً ثابتاً بالأدلة العلمية المادية. كيف يمكن لجسر أن يُبنى على فراغ؟ وكيف يمكن لسلسلة أن تكتمل وحلقاتها الأولى مفقودة أو غير موثقة بالقدر الكافي؟
لنتأمل تسلسل الخلفاء الذين تعاقبوا على حكم الأمة الإسلامية بعد وفاة النبي صل الله عليه وسلم. أبو بكر الصديق حكم من 11 إلى 13 هـ، ثم عمر بن الخطاب من 13 إلى 23 هـ، وعثمان بن عفان من 23 إلى 35 هـ، وعلي بن أبي طالب من 35 إلى 40 هـ. ثم جاء معاوية بن أبي سفيان من 41 إلى 60 هـ، ويزيد الأول من 60 إلى 64 هـ، ومعاوية الثاني في 64 هـ، ومروان بن الحكم من 64 إلى 65 هـ، وعبد الملك بن مروان من 65 إلى 86 هـ، والوليد الأول من 86 إلى 96 هـ، وسليمان بن عبد الملك من 96 إلى 99 هـ، وعمر بن عبد العزيز من 99 إلى 101 هـ، ويزيد الثاني من 101 إلى 105 هـ، وهشام بن عبد الملك من 105 إلى 125 هـ، والوليد الثاني من 125 إلى 126 هـ، ويزيد الثالث في 126 هـ، وإبراهيم بن الوليد الأول في 126 إلى 127 هـ، ومروان الثاني من 127 إلى 132 هـ. ثم جاءت الدولة العباسية مع السفاح أبو العباس من 132 إلى 136 هـ، وأبو جعفر المنصور من 137 إلى 158 هـ، والمهدي من 158 إلى 169 هـ، والهادي من 169 إلى 170 هـ، وهارون الرشيد من 170 إلى 193 هـ، والأمين من 193 إلى 198 هـ.
هذه القائمة الطويلة من الخلفاء، التي تمتد لأكثر من قرن ونصف، لم يعاصرها البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه. لم يعاصروا الخلفاء الراشدين، ولا الكثير من خلفاء المسلمين، ولم يولدوا حتى في الجزيرة العربية. فمن أين جاء هؤلاء الأئمة بأحاديث النبي الرسول؟ وما هي مصادرهم ومراجعهم الحقيقية في ظل هذه الفجوة الزمنية والجغرافية؟ ومن هم شهودهم المباشرون على كل حديث؟ وأين هي الوثائق الأصلية التي خطوها بأيديهم، والتي تثبت صحة ما نقلوه؟
لنفترض جدلاً أن رسالة النبي صل الله عليه وسلم استمرت عشر سنوات فقط، وهي فترة مليئة بالأحداث والتشريعات والتوجيهات. هذه السنوات العشر تعادل ما يقارب 480 خطبة جمعة، وهي مناسبات عظيمة كان النبي يخطب فيها المسلمين، يوجههم، يعلمهم، ويثبت أركان دينهم. ومن المفترض أن تكون هذه الخطب، بما تحمله من توجيهات نبوية مباشرة، موجودة وموثقة في كتب البخاري ومسلم وغيرهم. فأين تلك الخطب؟ هل من المعقول أن كتب هؤلاء الأئمة جاءت بآلاف الأحاديث، منها ما هو شخصي وينسب للنبي في أدق تفاصيل حياته، ولم تستطع أن تسرد لنا خطب الجمعة النبوية التي كانت تُلقى أمام الملأ، وتُسمع من جموع غفيرة من الصحابة؟ هذا التساؤل يضعنا أمام مفارقة عجيبة تستدعي التفكير العميق.
إن هذه التساؤلات ليست دعوة للتشكيك في النوايا، ولا للطعن في جهود الأئمة الأجلاء الذين أفنوا حياتهم في خدمة الدين. بل هي دعوة لإعمال العقل، والبحث عن الحقيقة بمنهجية علمية وتاريخية صارمة. أين كتبة الرسول الذين كانوا يدونون الوحي؟ وأين ما خطته أيديهم من توجيهات نبوية؟ أين ما كتبه صحابة الرسول الكرام وآل البيت الأطهار، الذين كانوا الأقرب إلى النبي، والأدرى بسنته وقوله وفعله؟ وأين الحفظة من الصحابة والتابعين العرب، الذين كانوا يعيشون في بيئة النبي، ويتحدثون بلغته، ويشهدون أحداث دعوته؟ إن غياب هذه الوثائق الأصلية، وهذه الشهادات المباشرة المكتوبة، يترك فراغاً كبيراً في السرد التاريخي، ويجعلنا نتساءل عن طبيعة المنهج الذي اتبع في جمع وتدوين الأحاديث بعد قرنين من الزمان، وعن مدى إمكانية الاعتماد الكلي على روايات شفهية تناقلتها الأجيال عبر فجوة زمنية وجغرافية واسعة. إنها دعوة للتأمل والبحث، لا للرفض أو القبول الأعمى، فالحقيقة أحق أن تُتبع، والعقل أحق أن يُحترم.
ومن حقنا كمسلمون أن نتساءل : بعد وفاة الرسول صل الله عليه وسلم، وعلى إمتداد 200 سنة لم تكن هناك سنة نبوية بل وانقطع الوحي، فمن أين جاءت؟ ولماذا انحسرت السنة النبوية بين أيدي الفرس دون العرب؟